أحمد بن محمد القسطلاني

133

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

مسكنه ، وهذه النية لا تحبطه لصحة حجه لله تعالى مع نية تجارة إجماعًا ، فالإخلاص ما صفا عن الكدر وخلص من الشوائب ، الرياء آفة عظيمة تقلب الطاعة معصية ، فالإخلاص رأس جميع العبادات { حنفاء } مائلين عن العقائد الزائغة { ويقيموا الصلاة } التي هي عماد الدين وهو من باب عطف الخاص على العام { ويؤتوا الزكاة } ولكنهم حرّفوا وبدّلوا { وذلك } المذكور من هذه الأشياء هو { دين القيمة } [ البينة : 5 ] أي دين الملّة القيّمة أي المستقيمة وسقط عند الأصيلي وذلك دين القيّمة . وفي رواية أبي الوقت من قوله حنفاء إلى آخر الآية فقال : { مخلصين له الدين } الآية . 46 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلاَ نُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلاَمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ . فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لاَ ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَصِيَامُ رَمَضَانَ . قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ ؟ قَالَ لاَ ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ . قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّكَاةَ . قَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ لاَ ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ . قَالَ فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ . [ الحديث أطرافه 46 - في : 1891 ، 2678 ، 6956 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا إسماعيل ) بن أبي أُويس الأصبحي المدني المتوفى سنة ست وعشرين ومائتين ( قال : حدّثني ) بالإفراد ، وللأصيلي حدّثنا ( مالك بن أنس ) الإمام وسقط عند الأصيلي وابن عساكر قوله ابن أنس ( عن عمه أبي سهيل بن مالك ) واسم أبي سهيل نافع المدني ( عن أبيه ) مالك بن أبي عامر ( أنه سمع طلحة بن عبيد الله ) بن عثمان القرشي التيمي أحد العشرة المبشرة بالجنة المقتول يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة وله في البخاري أربعة أحاديث ( يقول ) : ( جاء رجل ) هو ضمام بن ثعلبة أو غيره ( إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أهل نجد ) بفتح النون وسكون الجيم وهو كما في العباب وغيره ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق ، وفي رواية أبي ذر جاء رجل من أهل نجد إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ثائر ) بالمثلثة أي متفرق شعر ( الرأس ) من عدم الرفاهية فحذف المضاف للقرينة العقلية ، أو أطلق اسم الرأس على الشعر لأنه نبت منه ، كما يطلق اسم السماء على المطر أو مبالغة بجعل الرأس كأنها المنتفشة ، وثائر بالرفع صفة لرجل أو بالنصب على الحال ولا يضر إضافتها لأنها لفظية ( نسمع ) بنون الجمع ( دويّ صوته ) بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء منصوب مفعولاً به ( ولا نفقه ) بنون الجمع كذلك ( ما يقول ) أي الذي يقوله في محل نصب على الفعولية ، وفي رواية ابن عساكر يسمع ولا يفقه بضم المثناة التحتية فيهما مبنيًّا لما لم يُسمّ فاعله ودوي وما يقول نائبان عنه . والدوي شدة الصوت وبعده في الهواء فلا يفهم منه شيء ( حتى دنا ) أي إلى أن قرب فهمناه . ( فإذا هو يسأل عن الإسلام ) أي عن أركانه وشرائعه بعد التوحيد والتصديق أو عن حقيقته ، واستبعد هذا من حيث إن الجواب يكون غير مطابق للسؤال وهو قوله ( فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : هو ( خمس صلوات في اليوم والليلة ) أو خذ خمس صلوات ويجوز الجرّ بدلاً من الإسلام ، فظهر أن السؤال وقع عن أركان الإسلام وشرائعه ، ووقع الجواب مطابقًا . ويؤيده ما في رواية إسماعيل بن جعفر عند المؤلف في الصيام أنه قال : أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصلاة وليس الصلوات الخمس عين الإسلام ، ففيه حذف تفديره إقامة خمس صلوات في اليوم والليلة ، وإنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها أو علم أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية أو ذكرها فلم ينقلها الراوي لشهرتها ( فقال ) الرجل المذكور ، ولابن عساكر قال ( هل عليّ غيرها ) بالرفع مبتدأ مؤخر خبره عليّ ( قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( لا ) شيء عليك غيرها وهو حجة على الحنفية حيث أوجبوا الوتر وعلى الإصطخري من الشافعية حيث قال : إن صلاة العيدين فرض كفاية ( إلا أن تطوع ) استثناء من قوله لا منقطع أي لكن التطوّع مستحب لك ، وعلى هذا لا تلزم النوافل بالشروع فيها ، لكن يستحب إتمامها ولا يجب . وقد روى النسائي وغيره أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان أحيانًا ينوي صوم التطوّع ثم يفطر ، وفي البخاري أنه أمر جويرية بنت الحرث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه ، فدل على أن الشروع في النفل لا يستلزم الإتمام ، فهذا النص في الصوم والباقي بالقياس ولا يرد الحج لأنه امتاز عن غيره بالمضي في فاسده ، فكيف في صحيحه أو الاستثناء متصل على الأصل ، واستدل به على أن الشروع في التطوّع يلزم إتمامه . وقرره القرطبي من المالكية بأنه نفي وجوب شيء آخر أي : إلا ما تطوّع به ، والاستثناء من النفي إثبات